Commentary

اعتقال المعطي منجب والتراجع المستمرّ لحقوق الإنسان في المغرب

Moroccan protesters hold up posters of Maati Monjib, a Moroccan professor of political history, to support him during a demonstration in the capital, Rabat, October 21, 2015. Monjib started a second hunger strike last Wednesday after authorities banned him from boarding a plane to Norway for an international conference on journalism in Lillehammer. The sign reads, "Even if you use repression, your intimidation is useless". REUTERS/Stringer

في شهر ديسمبر الماضي، اعتقلت الأجهزة الأمنية المغربية المعطي منجب، وهو مؤرّخ مغربي وزميل باتكن سابق في مشروع ديمقراطية وتنمية الشرق الأوسط في معهد بروكنجز، في خلال تناوله الغداء في مطعم في الرباط.

وقد اتُّهم منجب، وهو ناقد بارز منذ زمن للحكومة وناشط معروف عالمياً في مجال حقوق الإنسان، بتبييض الأموال. وقال المعلّقون والوسائل الإعلامية الموالون للحكومة إنّ السلطات اتّبعت الإجراءات القانونية الصحيحة، وفي يناير، حكمت عليه محكمة مغربية بالسجن لمدّة سنة بتهمة “المسّ بسلامة أمن الدولة الداخلي وبالاحتيال”.

في الواقع، يشكّل اعتقال منجب والحكم عليه من دون الإجراءات القانونية الواجبة انعكاساً للتراجع المستمرّ في حقوق الإنسان في المغرب وعودة للسلطوية في شمال أفريقيا.

ليس الأوّل، ولن يكون الآخر

ترك منجب، وهو ناشط يساري في خلال حكم الملك حسن الثاني، المغرب لإتمام شهادة الدكتوراه وعاد إليه في بداية حكم الملك محمد السادس للعمل في منصب أكاديمي في جامعة الرباط. وعلى غرار الكثيرين من الناشطين المغربيّين في المنفى، عاد عندما استلم الملك محمّد السادس العرش في العام 1999 ووعد بعصر جديد من الشفافية وحقوق الإنسان. وبعدما تبيّن أنّ كلام الملك لم يتماشَ مع الواقع، تعالى صوت منجب أكثر فأكثر في انتقاده النظام، قائلاً إنّه ينبغي عليه رفع الصوت بسبب “تعدّيات النظام على حرّيات المواطنين وحقوقهم وقمعه للصحافة الحرّة واعتقال الناشطين الاعتباطي”.

وفيما كان منجب راضياً عن الانفتاح السياسي الذي شهده المغرب في العامَين 2011 و2012 عقب الانتفاضات العربية، عرف أنّه في النهاية استمرّ الملك والدولة العميقة، المعروفة باسم المخزن، بالتحكّم بزمام الأمور في الخلفية. وقال منجب في ورقة لمعهد بروكنجز في العام 2011 إنّه إن لم تنخرط الحكومة المغربية بعملية إصلاح شامل، ستواجه تهديدات لموقعها وسلطتها. ومع أنّ منجب لا يحبّذ الإسلاميين، قال إنّه ينبغي الاعتراف بالأحزاب الإسلامية كأحزاب سياسية شرعية وحمايتها من تضييق الشرطة.

وبالفعل، كان الإسلاميون أكبر الكاسبين من الانفتاح في العام 2011، ففازوا بعدّة انتخابات منذ تلك الفترة. وقد سُمح لحزب العدالة والتنمية، الذي وصفه أحد الأكاديميين بأنّه “إسلاميو الملك”، باستلام الحكم شرط عدم تخطّي الخطوط الحمر التي يضعها القصر. (ترفض حركة إسلامية أخرى في المغرب تدعى جماعة العدل والإحسان العملية الانتخابية). وتخطّي هذه الخطوط الحمر للصحافيين والناشطين مثل منجب، وآخرين مثل هشام المنصوري وهشام المرآة ومحمّد صبير وعبد الصمد عيت عيش، يجعلهم أهدافاً للنظام.

حراك العام 2016 وعودة السلطوية

أعلنت التغييرات الدستورية التي أحدثها الملك في العام 2011 بداية فترة من الهدوء النسبي في المجال السياسي المغربي. لكن هذا الهدوء تحطّم في العام 2016، مع احتجاجات الحراك التي طالبت بإنهاء التهميش في منطقة الريف في المغرب. ورأى بعض المحلّلين المغربيين هذا الحراك استمراريةً لحركة 20 فبراير التي انطلقت في العام 2011، وردّت الحكومة بقمع قاسٍ للناشطين والمحتجّين.

ومنذ العام 2016، تابع النظام المغربي إجراءاته القمعية على مختلف التحديات المتصوَّرة لسلطته. فتمّ اعتقال طلّاب وناشطين ومواطنين عاديين لتعبيرهم عن وجهات نظر ناقدة على وسائل التواصل الاجتماعي مع عمل النظام على إحكام سيطرته على المجال الرقمي. ويقبع عمر الراضي، وهو صحافي وناشط بارز آخر، في السجن منذ العام 2019 وهو متّهم بالتجسّس بعد نشر عدد من المقالات حول استيلاء مسؤولين فاسدين على بعض الأراضي.

وقد مَثَلَ منجب أمام المحاكم عشرين مرّة منذ العام 2015، لكن لم يبُتّ الحكم بحقّه حتّى هذه السنة. وقد خضع لمراقبة غير قانونية لسنوات، فبحسب تقرير أصدرته منظّمة العفو الدولية في العام 2019، كان هو وناشطون آخرون أهدافاً لبرمجيّات تجّسس صمّمتها شركة أن أس أو الإسرائيلية وتستعملها دول عربية أخرى لمراقبة المعارضين.

إدارة بايدن والمغرب: بين القيم والمصالح

لقد عقّدت صفقةُ الرئيس ترامب في اللحظات الأخيرة مع المغرب للاعتراف بسيادتها على الصحراء الغربية مقابل التطبيع الجزئي مع إسرائيل مقاربةَ إدارة بايدن تجاه المغرب.

فقد وُصف الاعتراف الأمريكي بالمزاعم المغربية بالفخّ الذي تركه ترامب لبايدن، وهو يضع إدارة بايدن في مأزق: تأييد هذا التحوّل في السياسة الأمريكية أو عكسه. وفي الشهر الماضي، كتب 27 عضواً في مجلس الشيوخ يحثّونه على عكس قرار ترامب “الخاطئ” بشأن الصحراء الغربية.

ولطالما كان المغرب حليفاً قوياً للولايات المتّحدة، لذا تخاطر إدارة بايدن بإبعاد المغرب في حال عكست الصفقة المُبرمة مع إدارة ترامب. وسيتأثر الناشطون المغربيون مثل منجب والراضي وغيرهم للأسف بهذه المسألة، وستستعملهم المملكة كأدوات تفاوض.

سينبغي على إدارة بايدن أن توازن بين الدبلوماسية المرتكزة على القيمة وتلك المرتكزة على المصلحة في المغرب. وهذا ليس بأمر بسيط، ولا سيّما أنّ القوى الأخرى مثل الصين وروسيا تنوي تأدية دور أكبر في أرجاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومن غير المرجّح أن تعكس الولايات المتّحدة مسارها بشأن الصحراء الغربية، نظراً إلى أنّه سيكون لذلك أثرٌ على اتفاقية التطبيع الإسرائيلية المغربية التي تأمل الإدارة الأمريكية التعويل عليها.

لقد وضعت إدارة بايدن حقوق الإنسان من جديد على جدول الأعمال في تعاملاتها مع الدول في الشرق الأوسط وانضمّت من جديد لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتّحدة. وعلى الرغم من السياسة الواقعية في العلاقات بين الولايات المتّحدة والمغرب، ينبغي على الإدارة دعم خطابها عن حقوق الإنسان بالأعمال وجعل حقوق الإنسان وإطلاق سراح المساجين أولوية في نقاشاتها مع المغربيّين. وينبغي على الحكومة المغربية، من جهتها، أن تطلق سراح منجب والراضي والسجناء السياسيين الآخرين لأنّ الاعتقالات المستمرّة تدمّر ما بقي من سمعة المغرب التقدمية.

Author